علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )
275
نسمات الأسحار
والجاه والترفع على أقرانهم ، ويدلك على هذا أن كلا منهم يدعى الفضل لنفسه ، ويظهر جهل من هو في طبقته أو أعلى ، ويقول : متى كان فلان ، وعلى من قرأ ، وبمن تخرج وإلى أين رحل ، وأنا قرأت في البلد الفلاني على الشيخ الفلاني ، وفلان من شيخه وشيخ شيخه ، وهذه الشفرة ، وهذا الميدان ليستميل بذلك قلوب الناس إليه ، ويصيد بذلك ما في أيديهم ، ويستمد ما له عندهم من الجاه والمنزلة ، ويغفل عن قصة موسى صلى اللّه عليه وسلم حين سأله بنو إسرائيل هل تعلم أحدا أعلم منك ؟ فأجابهم : لا ، فأوحى اللّه تعالى إليه بلى : عبدنا الخضر ، ولو كان قصد هذا المسكين بعلمه وجه اللّه تعالى والدار الآخرة لأذعن بالفضل لغيره وسجل بالجهل على نفسه ، وأجاب بأن ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء ، وفوق كل ذي علم عليم ، وحمد اللّه سبحانه وتعالى على أن شاء من يرشد الناس إلى دينهم ، وفرح بكثرة العلماء ، وسبب طعن العلماء في أبناء جنسهم داء الحسد ، والتكالب على الدنيا ، فنعوذ باللّه من مكر اللّه . قال سيد الخلق صلى اللّه عليه وسلم : « الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب » « 1 » . وقال ابن عباس رضى اللّه عنهما : خذوا العلم حيث وجدتم ، ولا تقبلوا قول الفقهاء بعضهم في بعض ، فإنهم يتغايرون كما يتغاير التيوس في الزريبة ، فهذه من تلبيس إبليس ، نعوذ باللّه من غروره ومكائده ، ولو كان قصد هذا العلم بعلمه وجه اللّه لأنصف ، فإن الإنصاف مطلوب بنص الحديث ، وأذعن للحق حيث كان ، كما روى عن الشافعي رضى اللّه عنه أنه قال : ما ناظرت أحدا قط فأحببت أن يخطئ ، وقال : ما كلمت أحدا قط وإلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان ويكون عليه رعاية من اللّه عز وجل وحفظ ، وما حدثت أحدا قط وأنا أبالي أن يبين اللّه الحق على لساني أو على لسانه . وقال أحمد بن حنبل رحمه اللّه : ما صليت صلاة منذ أربعين سنة إلا وأنا أدعو للشافعي .
--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة في سننه ( 4210 ) ، وابن عدي في الكامل ( 5 / 247 ) ، والخطيب في تاريخ بغداد ( 2 / 227 ) ، والبيهقي في الشعب ( 5 / 6610 ) عن أنس . كلهم طرفا في حديث ، ما عدا الخطيب فبلفظه . وضعفه الألبانى في الجامع ( 2781 ) ، والضعيفة ( 1901 ) .